يتدثر شهر رمضان الأبرك في حاضرة خنيفرة، عاصمة زيان التاريخية، بحلة حضارية متفردة، تتجلى في إحياء عادات وتقاليد أمازيغية ضاربة في أعماق التاريخ، سواء في تفاصيل المائدة الرمضانية أو في الطقوس الشعبية المتوارثة كابرا عن كابر. وهي طقوس تترجم الإجلال العميق الذي تكنه الساكنة لهذا الشهر الفضيل، بوصفه محطة روحانية للتنسك، ومناسبة إنسانية بامتياز لإعلاء صروح التراحم وقيم التكافل.
وتتسم حواضر وبوادي إقليم خنيفرة، وعموم مجالات الأطلس المتوسط، بثقل موروثها الحضاري وتعدد روافدها الثقافية، فضلا عن ماضٍ تليد يزخر بتقاليد رمضانية أصيلة. وعلى الرغم من التحولات المتسارعة التي عصفت بأنماط عيش الساكنة، إلا أن السواد الأعظم منها ما يزال يعض بالنواجذ على تلك الطقوس العتيقة، التي تضفي طابعا استثنائيا على مائدة الإفطار “الزيانية” طيلة أيام هذا الشهر المبارك.
ولئن أمست موائد الأسر المغربية تتقاطع اليوم في جل مكوناتها الرمضانية، من تمور وحلويات وفطائر، فإن الخصوصيات المحلية لأهالي خنيفرة تأبى الخضوع لعوادي التنميط الاستهلاكي في مختلف حواضر ومداشر الأطلس المتوسط؛ حيث ينبري المكون الثقافي الأمازيغي بملامحه القوية والأصيلة ليفرض حضوره البهي.
وفي هذا الصدد، أبرزت الفاعلة الجمعوية، سعاد ميموني، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن ساكنة الأطلس المتوسط بإقليم خنيفرة تستمسك بأطباقها الشعبية وعاداتها المتأصلة التي تتجسد أبهى تجلياتها في “لمة” مائدة الإفطار، والتي تعتمد في كليتها على غلال الأرض ومنتجات مجالية ذات منشأ نباتي وطبيعي.
وتتوج هذه المائدة، تضيف السيدة ميموني، بحساء “أحرير” الذي يُعد بعناية فائقة من دقيق الشعير والحليب أو بالأعشاب العطرية المنسمة، إلى جانب رغيف “المسمن” البلدي أو “بوشيار” المخبوز من دقيق القمح الطري.
وأردفت أن المائدة المحلية تزدان بأصناف شتى من الأطايب، تشمل خبز “حرشة” الذرة أو الشعير (أرخصيص) المدهون بسخاء بالعسل الطبيعي والسمن الحر (أودي أمحايل)، وطبق “سلو” (ثامكونث أو زميطا) المحضر من دقيق القمح المحمص والممزوج بالعسل والسمن، ناهيك عن التمر والبيض البلدي، وغيرها من الأطباق التي حجزت لنفسها مكانة سيادية فوق المائدة الأمازيغية.
ولفتت الفاعلة الجمعوية الانتباه إلى أنه، واعتبارا للطبيعة الجغرافية الجبلية للمنطقة وما تتسم به من وعورة التضاريس، فإن أهالي الإقليم يولون عناية فائقة لوجبة السحور، متخذين إياها زادا يقويهم على مكابدة يوم شاق من العمل المضني؛ إذ يحرصون أيما حرص على تناول خبز “المخمر” (أومثين) المشبع بالسمن أو زيت الزيتون، ترافقه كؤوس الشاي المنعنع والمعد على الجمر المتقد.
وفي سياق متصل، أوضح الباحث في التاريخ والتراث، الحسين أكضى، في تصريح مماثل، أن أسراً أمازيغية عريضة بالأطلس المتوسط لا تزال تحافظ على سجل حافل من الطقوس الرمضانية رغم إكراهات التمدن؛ حيث تواظب، بالموازاة مع إعداد الأطباق التقليدية، على صلة الرحم وتكثيف التزاور، وإحياء مجالس الذكر وتلاوة القرآن الكريم، لاسيما خلال “ليلة القدر” المباركة التي تحظى بقدسية بالغة.
وأضاف الأستاذ أكضى أن طقوس استقبال الشهر الفضيل تستهل مبكرا منذ إطلالة شهر شعبان، وذلك عبر ادخار “العولة” من المواد الأساسية كالدقيق والتمور والقطاني، في تساوق تام مع التأهب الروحي والنفسي، والاعتناء بنظافة وزينة البيوت.
كما استلهم الباحث تقليدا ضاربا في القدم دأبت عليه الساكنة، يتجلى في ارتقاء أعلى المرتفعات بالدوار أو المدشر لترصد هلال رمضان بالعين المجردة، قبل أن يزف خبر ثبوت الرؤية بين المداشر في أجواء احتفالية تغمرها الغبطة وتعمها المسرات.
وتظل هذه الطقوس والعادات الاحتفائية والغذائية في عاصمة زيان التاريخية، ولدى قبائل “بوحسوسن” وباقي ساكنة الأطلس المتوسط على وجه العموم، وسمة بارزة تشهد على عراقة وأصالة هذه الربوع.
فهي تترجم في جوهرها الإرث الحضاري المتجذر للإقليم، وتجلي تنوع الروافد الثقافية الأمازيغية التي أبت إلا أن تظل صامدة ووفية لمنابعها الأولى، لترسم في المطاف مشهداً اجتماعيا باذخا يجسد الوفاء للذاكرة الجماعية والتشبث الوثيق بالجذور الثقافية للهوية المغربية، في ربوع تتنفس عبق التاريخ وتخلد التقاليد في أدق تفاصيل حياتها اليومية.
و م ع
%20(1).png)
